صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
112
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
شخصيا ، إراديا ، تم أداؤه بحرية « أي بدون إكراه » وأن نكون على وعي كامل وعلى معرفة بالشرع أو القانون « 1 » . ثالثا : الجزاء : يعتبر الجزاء العنصر الثالث من عناصر النظرية الخلقية . فالقانون الخلقي يبدأ بتوجيه الدعوة إلى الإرادة ، فتستجيب لتلك الدعوة ، ثم بإعلان الالتزام تأتي المسؤولية ، كاستجابة جازمة ، ثم يأتي التقويم بعد ذلك ، أي يأتي الجزاء . فالجزاء هو رد فعل القانون الخلقي على موقف الأشخاص الخاضعين لهذا القانون والملتزمين به . وللجزاء ثلاثة ميادين هي : 1 - الجزاء الأخلاقي . 2 - الجزاء الشرعي . 3 - الجزاء الإلهي . وفيما يلي تناول موجز لهذه الأنواع : ( 1 ) الجزاء الأخلاقي : يباشر الإنسان عمله طبقا لقواعد يعرفها ويحس بها ، وبعد ذلك تحدث في النفس أصداء معبرة عن الرضا في حالة النجاح ، وعن الألم في حالة الفشل ، هذا يتعلق بالإنسان الذي يعرف أن هناك قواعد للسلوك ، أما ذلك الإنسان الذي لا يعرف قواعد السلوك فإنه يكون فاقدا لمعنى الخير والشر تماما ، فما معنى هذا بالنسبة للجزاء الخلقي ؟ . يحلل ذلك الدكتور دراز متوصلا إلى أن الندم لا يعتبر جزاء لما يقترفه الفرد ، وهو ليس بعقوبة أو مكافأة للقانون الأخلاقي . ويرى كذلك أن المتعة والألم اللذين نحس بهما بعد أن نفعل خيرا أو شرا هما رد فعل لضميرنا على ذاته ، أكثر من أن يكون رد فعل للقانون علينا . فهما تعبيران طبيعيان يدلان على توافق في الذات مع المثل الأعلى ، أو على تضاد الذات معه . وهذا ما تدل عليه النصوص النبوية . يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا ساءتك سيئتك ، وسرتك حسنتك فأنت مؤمن » « 2 » . فالحديث لم ينظر إلى حالات النفس هذه على أنها ثواب يقتضيه سلوكنا ، وإنما رأي فيه ترجمة وتحديدا للإيمان الخلقي . وفي حديث آخر : « إنه المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه ، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه » « 3 » . وهذا يعود إلى درجة شدة اللوم الباطن التي تعكس صدق إيماننا وتقيس درجته قياسا دقيقا فنحن نشعر بمساءة الذنب وخطورته فينا لدرجة شعورنا الحي بالتكليف .
--> ( 1 ) محمد عبد اللّه دراز : دستور الأخلاق في القرآن ، مرجع سابق ، ص 222 . ( 2 ) مسند أحمد 5 / 251 ، 252 ، 256 . ( 3 ) الترمذي ، كتاب صفة القيامة 4 / 568 برقم 2497 .